ابن كثير
222
البداية والنهاية
وردها علي ، فقلت : أشهدك أنها حرة وأني قد تزوجتها ، وقلت : جارية قد أفادتني خمسين ألف دينار لا أفرط فيها بعد اليوم . وذكر الخطيب أن الرشيد طلب من منصور بن زياد عشرة آلاف ألف درهم ، ولم يكن عنده منها سوى ألف ألف درهم ، فضاق ذرعا ، وقد توعده بالقتل وخراب الديار إن لم يحملها في يومه ذلك ، فدخل على يحيى بن خالد وذكر أمره فأطلق له خمسة آلاف ألف ، واستطلق له من ابنه الفضل ألفي ألف ، وقال لابنه : يا بني بلغني أنك تريد أن تشتري بها ضيعة . وهذه ضيعة تغل الشكر وتبقى مدى الدهر . وأخذ له من ابنه جعفر ألف ألف ، ومن جاريته دنانير عقدا اشتراه بمائة ألف دينار ، وعشرون ألف دينار ، وقال للمترسم عليه : قد حسبناه عليك بألفي ألف . فلما عرضت الأموال على الرشيد رد العقد ، وكان قد وهبه لجارية يحيى ، فلم يعد فيه بعد إذ وهبه . وقال له بعض بنيه وهم في السجن والقيود : يا أبت بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا إلى هذا الحال ، فقال : يا بني دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون ولم يغفل الله عنها . ثم أنشأ يقول : رب قوم قد غدوا في نعمة * زمنا والدهر ريان غدق سكت الدهر زمانا عنهم * ثم أبكاهم دما حين نطق وقد كان يحيى بن خالد هذا يجري على سفيان بن عيينة كل شهر ألف درهم ، وكان سفيان يدعو له في سجوده يقول : اللهم إنه قد كفاني المؤنة وفرغني للعبادة فاكفه أمر آخرته . فلما مات يحيى رآه بعض أصحابه في المنام فقال : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي بدعاء سفيان . وقد كانت وفاة يحيى بن خالد رحمه الله في الحبس في الرافقة لثلاث خلون من المحرم من هذه السنة عن سبعين سنة ، وصلى عليه ابنه الفضل ، ودفن على شط الفرات ، وقد وجد في جيبه رقعة مكتوب فيها بخطه : قد تقدم الخصم والمدعا عليه بالأثر ، والحاكم الحكم العدل الذي لا يجوز ولا يحتاج إلى بينة . فحملت إلى الرشيد فلما قرأها بكى يومه ذلك ، وبقي أياما يتبين الأسى في وجهه . وقد قال بعض الشعراء في يحيى بن خالد : سألت الندا هل أنت حر فقال لا * ولكنني عبد ليحيى بن خالد فقلت شراء قال لا بل وراثة * توارث رقي والد بعد والد ( 1 )
--> ( 1 ) ذكرهما صاحب شذرات الذهب ونسبهما لكلثوم العتابي باختلاف : 1 / 327 : سألت الندى والجود حران أنتما ؟ * فقالا : كلانا عبد يحيى بن خالد فقلت : شراء ذلك الملك قال لا * ولكن إرثا والدا بعد والد